دبلوماسية الاتزان: قراءة في "الكتاب الأبيض" للخارجية المصرية

في لحظة فارقة من تاريخ المنطقة، وبينما تعيد الجغرافيا السياسية تشكيل نفسها، أطلقت وزارة الخارجية المصرية إصداراً وثائقيًا يمثل مرجعاً تاريخياً وسياسياً استثنائياً بعنوان: "الاتزان الاستراتيجي.. ملامح من السياسة الخارجية المصرية في عشر سنوات". هذا الإصدار، الذي يُعرف اصطلاحاً بـ "الكتاب الأبيض"، ليس مجرد سردٍ للوقائع، بل هو "مانيفستو" يوثق كيف استعادت القاهرة دورها المحوري وسط أعاصير إقليمية ودولية غير مسبوقة. فلسفة "الاتزان": العبور فوق الأزمات يرتكز الكتاب على مفهوم "الاتزان الاستراتيجي"، وهي العقيدة التي انتهجتها الدولة المصرية منذ عام 2014. وتعني ببساطة القدرة على بناء شراكات متنوعة مع جميع القوى الدولية دون الانحياز لقطب ضد آخر، مع الحفاظ على استقلالية القرار الوطني. لقد نجحت الدبلوماسية المصرية، كما يوضح الكتاب، في تحويل "تحدي التوازن" إلى "فرصة للتأثير"، حيث أصبحت القاهرة نقطة الالتقاء الوحيدة لعديد من الملفات الشائكة. لماذا يكتسب هذا الإصدار أهمية خاصة؟ تكمن أهمية هذا الكتاب في توقيته ومحتواه، وذلك لعدة أسباب: * مرجع للباحثين وصناع القرار: يوفر مادة توثيقية دقيقة لعقد من الزمان (2014-2024)، مما يجعله مرجعاً لا غنى عنه لفهم كواليس التحركات المصرية في ملفات مثل (سد النهضة، الأزمة الليبية، القضية الفلسطينية، وأمن البحر الأحمر). * دبلوماسية التنمية: يسلط الضوء على "الدبلوماسية الاقتصادية" وكيف سخرت مصر علاقاتها الخارجية لدعم مشروعها التنموي الداخلي، وجذب الاستثمارات، وتدشين ممرات الطاقة الدولية. * العودة للجذور الأفريقية: يوثق الكتاب الطفرة التي شهدتها العلاقات (المصرية - الأفريقية)، واستعادة مصر لمكانتها الطبيعية في القارة السمراء من خلال ريادة ملفات التنمية وإعادة الإعمار. ما وراء السطور: رسالة مصر للعالم إن صدور هذا الكتاب يبعث برسالة واضحة: مصر لا تدير أزماتها بردود الأفعال، بل برؤية استباقية. فمن "الدبلوماسية الرئاسية" التي شملت 181 زيارة دولية، إلى "الدبلوماسية المؤسسية" التي قادتها الخارجية، يتضح أن الهدف كان دوماً هو "الاستقرار الإقليمي" كشرط أساسي لـ "التنمية المستدامة". يعد كتاب "الاتزان الاستراتيجي" وثيقة اعتزاز بالدبلوماسية المصرية العريقة، ودعوة لفهم أعمق لمنطق الدولة التي تتمسك ببناء الجسور. إنه قصة عقدٍ من الصمود، والذكاء السياسي، والعودة القوية إلى صدارة المشهد العالمي.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

جهاز مستقبل مصر: الحصن الاستراتيجي للأمن الغذائي في الجمهورية الجديدة

السردية الوطنية للتنمية الشاملة: خارطة الطريق من "الإصلاح" إلى "التمكين"

من واشنطن إلى العالم… قيادة صنعت الفارق وكتبت التاريخ من جديد🕊️